ابن عربي
98
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
فانبعث من تلك الطريقة أشعة في الخلاة ، استدارت أنوارها كاستدارة المرآة اللطيفة الكيف ، الفارغة الجوف ، معلومة المنازل ، عند السالك والداخل ، فجعل ذلك الكور ، وأنشأ ذلك الدّور ، كرسيا لقدميه ، وحضرة لنفوذ ما يصدر من الأمر بين يديه ، فيخرج الأمر منه متحد العين ، حتى وصل الكرسي انقسم قسمين ، إذ كان المخاطب من ذلك الموضع إلى أسفل موجودين اثنين ، وإن كان واحدا فمن جهة أخرى ، وعلى ذلك الواحد تتابع الرسل تترى ، فإن المخاطب لجميع الأشياء إنما هو الإنسان ليس ملك ولا جان ، فإن الملك والجان جزء منه ، وأنموذج خرج عنه ، فله بعض الخطاب ، والإنسان كل الكتاب المنبّه عليه بقوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] . ثم بقوله : ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [ الأنعام : 38 ] . كما نبّه على الحقيقة المحمدية التي هي أصل الإنشاء ، وأوّل الابتداء فقال : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] . فنحن الكتاب الأجلى ، وهو الإمام الأعلى . فالإنسان الكتاب الجامع ، والليل المظلم ، والنهار المشرق الساطع . فمن علوّ مرتبه وسموّ منزلته ، وإنه واحد بالنظر إلى قواعده ، وخمسة بالنظر إلى مملكته ، وستة بالنظر إلى جهاته ، وسبعة بالنظر إلى صفاته ، وثمانية بالنظر إلى سجيّته ، وتسعة بالنظر إلى مراتبه ، وعشرة بالنظر إلى إحاطته ، وإحدى عشر بالنظر إلى ولايته ، وهو روح القدس . ثم قال : وتركنا تعين ما ذكرته موقوفا على نفسك حتى تطّلع على ذلك ببصرك عند شروق شمسك ، وقد نبّهنا عليها في هذا الكتاب بالتضمين . ففد فؤادك وقوّ اجتهادك . عسى أن يفتح لك بابا من عنده عند مواظبتك على الوفاء والتصديق بوعيده ووعده . ومن ذلك ، إشارة : مناقب المعارف والحكم موقوفة على ارتفاع الهمم . فقلت له : ارفع الهمّة . فقال : مضى زمان رفع الهمّة . فقلت : اللهم ارفع بي الزمان ، وبغير زمان زال الزمان فلا زمان . ارفع الهمة في الزمان تنل ما نبهتك عليه ، فالترقّي دائما أبدا . ومن ذلك : ما لك يضرب لك المثل بعد المثل ، ولا تتفكر كم تخبط في الظلمة وتحسب أنك في النور ، لا يغرنّك اتساع أرضه كلها شوك ولا فعل لك . كم مات فيها من أمثالك ؟